المشرف العام الشيخ فهد باهمام

العلاقة مع الكفار

نسخة للطباعةأرسل إلى صديق

 تقوم علاقة المسلم بالكافر على ثلاثة أركان مهمة، تُكَوِّنُ بمجموعها فلسفة علاقة المسلم بالكافر وما ينشأ عنها من مواقف وأحداث، وينبغي أن تبقى هذه الأصول الثلاثة في ذهن المسلم في كل تعاملاته وأثناء قراءته لجميع المسائل الفقهية المتعلقة بعلاقة المسلم بالكافر.

الركن الأول: الولاء والبراء

ومعنى الولاء: هو حُب الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ونصرتهم.

والبراء: هو بُغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين، من الكافرين والمشركين والمنافقين.

فكل مؤمن موحد ملتزم للأوامر والنواهي الشرعية، تجب محبته وموالاته ونصرته . وكل من خالف ذلك وجب التقرب إلى الله تعالى ببغضه ومعاداته وجهاده بالقلب واللسان بحسب القدرة والإمكان وبقدر مخالفته.

والولاء والبراء أوثق عرى الإيمان، وقد أكد عليه الله تبارك وتعالى وحذر من التساهل فيه وحرم موالاة الكفار وشدد فيها، حتى إنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده.

منزلة الولاء والبراء:

ومنزلة الولاء والبراء في الدين عظيمة ويظهر ذلك في العديد من النصوص ومن ذلك :

1. أنها جزء من معنى الشهادة (لا إله إلا الله) كلمة التوحيد، فالجزء الأول منها (لا إله) من معانيه  البراء من كل ما يُعبد من دون الله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن لا يحب إلا لله ، ولا يبغض إلا لله ، ولا يواد إلا لله ، ولا يُعادي إلا لله ، وأن يحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله". (الفتاوى  8/327)

2.  أنها شرط في الإيمان، كما قال تعالى: }تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ • وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ{.

3. أن هذه العقيدة أوثق عرى الإيمان ، لما روى أحمد في مسنده عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله". (رواه أحمد 30/488)

4. أنها سبب لتذوق حلاوة الإيمان ولذة اليقين لما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثلاث من وجدهن وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار". (البخاري 1/20 ومسلم 1/48)

5. أنه بتحقيق هذه العقيدة تنال ولاية الله، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : "من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك". (المصنف 8/196)

 مظاهر موالاة الكافرين:

وموالاة الكافرين وإن كانت قلبية إلا أنها تظهر في صور كثيرة ومنها:

التشبه بهم في اللباس والكلام والعادات.

الإقامة في بلادهم لغير حاجة ملحة .

اتخاذهم بطانة ومستشارين وأصدقاء خاصين.

مشاركتهم في أعيادهم الدينية وتهنئتهم وإعانتهم عليها وحضور احتفالاتها.

 دوام الدفاع عنهم والثناء على ما هم فيه من تطور مع إهمال ذكر ضلالهم وكفرهم.

وغير ذلك من الصور وسيمر علينا ذكر لبعض المسائل المتعلقة بالعلاقة مع الكفار..

قال أبو الوفاء ابن عقيل: "إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع ، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة".

1.  الولاء والبراء أوثق عرى الإيمان. 

2. الولاء والبراء عبادة قلبية تظهر في عديد من الصور العملية.

3. التساهل في مودة الكافرين وولايتهم قضية خطيرة } وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ {.

 

الركن الثاني: الخلق الحسن:

إن المطلع على كتاب الله وسنة رسول الله ليعجب من المكانة التي يحتلها حسن الخلق.

فالنبي صلى الله عليه وسلم ضامن بيتاً في أعلى الجنة لمن حسن خلقه.  (أبو داود 4800) 

"أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق". (الترمذي 2004)

أقرب الناس من المصطفى صلى الله عليه وسلم: "إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً". (رواه الترمذي 2018)

بل كان ذلك أحد أبرز مهام البعثة النبوية "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". (المستدرك 4221)

وهذه الأخلاق تشمل المسلم والكافر }وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى{ فحسن الخلق لجميع الناس مسلمهم وكافرهم  ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "اتق اللّه حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحُها، وخالق الناس بخُلق حسن". (الترمذي 1987) والناس تشمل المسلم والكافر.

ويقول تبارك وتعالى في بيان شاف في التعامل مع الكفار}لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ{، }أَنْ تَبَرُّوهُمْ{ أي: تحسنوا إليهم ، فالبر هو الإحسان والخير الوفير.

عن أسماء بنت أبي بكر، رضي الله عنهما قالت: قَدَمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: "نعم، صلي أمك". (البخاري 5634)

وكما أن حسن الخلق مع الكافر يظهر له الدين بوجهه المشرق ويحببه في تعاليمه وشرائعه فإن سوء الخلق مدعاة للنفور من الدين وأهله.

1.  يشرع حسن الخلق مع جميع الناس مسلمهم وكافرهم.

2. البر وحسن الخلق مع الكفار ليس من موالاتهم ومودتهم.

3. حسن المعاملة من أنجح وسائل الدعوة إلى الله.

 الركن الثالث: دعوته للإسلام

نص أهل العلم على أن الدعوة إلى الله فرض كفائي إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين .

ولا شك أن الأمر يتأكد كلما ابتعد الإنسان عن مواطن الدين والشرع فحاجة الناس هناك أشد وجهلهم بالدين أكبر، وربما وجدت العديد منهم لم يسمعوا عن الإسلام إلا معلومات مغلوطة تلقوها عن وسائل الإعلام.

 فيجب على المسلم الاجتهاد في نشر هذا الدين ولا يستصغر نفسه فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "بلغوا عني ولو آية". (البخاري 8/567)

وكان الصحابي يتعلم المعلومات السهلة المعدودة في جلسة قصيرة لينطلق بعدها إلى قومه قائلاً لرسول الله "أنا رسول من ورائي" فأنا مسئول عن من أعيش معهم في تبليغهم الإسلام بأحسن الطرق وأيسرها.

   وإذا وفِّقتَ لتلك النعمة فهنيئاً لك الأجر العظيم فأنت أحسن الناس قولاً  }وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ{ و"لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" ( البخاري 3498) وأي شيء أعظم من أن تأتي يوم القيامة ومع صحائف أعمالك أعمال كالجبال لم تعلم بها من عبادات ذلك المسلم الجديد وأولاده وذريته، ففضل الله واسع وكرمه جزيل "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً "وكل ذلك يتيسر إذا أخلص المسلم وكان على حكمة وحسن خلق }ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ{.

 

1.  الدعوة إلى الله فرض كفاية فتتأكد كلما قل العلم وانتشر الضلال.

2. الدعوة واجب الجميع وليس على من يظهر الصلاح والاستقامة فقط .

3. الدعوة إلى الإسلام لا تحتاج لقدر كبير من العلم.

4. الخلق الحسن من أهم أبواب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.