المشرف العام الشيخ فهد باهمام

الجلديات الطاهرة والنجسة في الملبوسات والحقائب

نسخة للطباعةأرسل إلى صديق

يحتار كثير من الناس في حكم الجلود التي يجدونها في الأسواق سواء أكانت حقائب أو أحذية أو ملبوسات هل هي طاهرة أم نجسة ؟ وهل يجوز استخدامها؟ وهل يجوز الصلاة بها؟

ويمكن لنا أن نبين أنواع الجلود وأحكامها فيما يلي :

·        جلد صناعي ليس له أصل حيواني، سواء كان من المنتجات البترولية أو غيرها، فهذا مباح طاهر؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة والإباحة، وهو منتشر في كثير من الحقائب والأحذية وغير ذلك.

·        جلد الحيوان مباح الأكل الذي تمت تذكيته عبر ذبحه أو اصطياده بالطريقة الشرعية طاهر بإجماع أهل العلم.

·        جلود جميع الحيوانات غير المذكاة إذا لم تدبغ نجسة في قول عامة أهل العلم إلا خلافًا شاذًا يروى عن الإمام الزهري.

ما هو الدباغ ؟

الدباغ هو تنظيف الجلد ومعالجته بمنظفات ومطهرات ليزول ما فيه من قذر ونجاسة ورطوبة.

وجميع الجلود المستخدمة اليوم في الحقائب والملبوسات والأحذية ونحو ذلك قد تم دباغها وتنظيفها من الرطوبة والدماء.

والحيوانات غير المذكاة بعد الدباغ على أنواع وهي كالتالي:

 

أنواع الجلود المدبوغة:

1. جلد مأكول اللحم غير المذكى:

مثاله :الغنم والبقر والإبل والأرانب والغزلان غير المذكاة .

حكمه: يطهر في قول جمهور أهل العلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" (مسلم 838)

وقد خالف في ذلك الإمام أحمد رحمه الله في المشهور عنه, وهو أحد القولين في مذهب مالك, فقالوا: لا يطهر شيء من الميتات بالدباغ واستدلوا بحديث عبد الله بن عكيم رضي الله عنه: "أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض جهينة وأنا غلام شاب: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب"(رواه أحمد18780)

والصحيح هو رأي جمهور أهل العلم القائل بطهارة جلد الميتة من مأكول اللحم بالدباغ لتوافر الأحاديث الصحيحة على ذلك ومنها صريح حديث ميمونة رضي الله عنها: "أنه مرّ برسول الله صلى الله عليه و سلم رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحصان, فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم: لو أخذتم إهابها. قالوا: إنها ميتة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطهرها الماء والقَرَظ". (أبوداود 4126، النسائي 4248)

وأما حديث عبد الله بن عكيم فقد اختلف أهل العلم في ثبوته ، فحكم ابن عبد البر والبغوي وابن العربي وغيرهم باضطرابه ، وعبد الله بن عكيم لم يسمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم. قال الخطابي: " وَهَّنُوا هذا الحديث لأن عبد الله بن عكيم لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو حكاية عن كتاب أتاهم" (معالم السنن 4/187).

وإن صح فهو محمول على أن الإهاب إنما يطلق لغة على الجلد قبل دباغه, فأما بعد الدباغ فيسمى أديمًا وجلدًا ولم يرد النهي عنه .

قال ابن تيمية " حديث ابن عُكَيْم ليس فيه نهي عن استعمال المدبوغ . وأما الرخصة المتقدمة، فقد قيل : إنها كانت للمدبوغ"(الفتاوى21/93)

2. جلود جميـــع الحيــــوانات غيـــر المأكولة إلا الكلب والخنزير :

مثالها: جلود الثعالب والتماسيح والثعابين والدببة والفهود والنمور ونحو ذلك.

حكمها: اختلف فيها أهل العلم على قولين :

·        ذهب الشافعية والحنفية إلى أنها طاهرة لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم " أيما إهاب دبغ فقد طهر "(الترمذي 1728، النسائي 4241) وهي صيغة عموم تشمل جميع أنواع الجلود.

·        مذهب الحنابلة وأحد القولين عند المالكية أنها لا تطهر بالدباغ.

والراجح هو قول الجمهور القائلين بطهارتها بعد الدبغ لعموم الحديث.

وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: " دباغها ذكاتها"(النسائي 4243) والذي يستدل به من يقصر الطهارة بالدباغ في مأكول اللحم فقط ؛ فمعناه أنه كما أن الذكاة تزيل نجاسة اللحم وتجعله طاهرًا مباحًا فكذلك الدباغ يطهر الجلد ويجعله طاهرًا مباحًا ، ولا يدل على أن ذلك مقصور على ما يمكن تذكيته من الحيوانات، فهو تشبيه للأثر لا المتأثر ، لاسيما مع ثبوت النص العام الدال بلفظه على طهارة الجلود.

3. جلد الكلب:

حكمه: ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يطهر بالدباغ لأنه نجس نجاسة مغلظة, فأمرنا إذا ولغ الكلب في الإناء أن نغسله سبعًا إحداهن بالتراب فكيف يطهر جلده ، والدباغ إنما يطهر ما طرأت عليه النجاسة لا ما كان نجس العين.

وقال الحنفية والظاهرية: بل يطهر جلده بالدباغ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أيما إهاب دبغ فقد طهر" فيدخل فيها الكلب.

والراجح هو قول جمهور أهل العلم؛ لأن الكلب نجس العين على الصحيح من أقوال أهل العلم, ونجاسته هي أشد النجاسات تغليظًا فلا يطهر جلده بالدباغ.

4.  جلد الخنزير:

حكمه: مذاهب الأئمة الأربعة على أنه لا يطهر بالدباغ لأن نجاسته عينية والله تعالى وصفه بالرجس أي النجس فقال: { أو لحم خنزير فإنه رجس }  والضمير في "فإنه " يعود للخنزير بكل أجزائه لا للحم فقط.

وذهبت الظاهرية إلى أنه يطهر بالدباغ, ويروى عن أبي يوسف واختاره الشوكاني (نيل الأوطار 1/73) واستدلوا بعموم الأحاديث السابقة وأن الخنزير داخل فيها.

والصحيح هو قول جماهير أهل العلم, ويخصص عموم أحاديث الدباغ قول الله تعالى: { أو لحم خنزير فإنه رجس} والضمير عائد على الصحيح للمضاف إليه وهو " خنزير " ؛ لأنه أقرب مذكور, ولو قيل بأنه عائد إلى المضاف " لحم" فيكون نبّه بنجاسة اللحم الذي هو أغلب استعمالهم, ودخل فيه ما لا يستخدم إلا نادرًا ولا يحتاج إليه في العادة من باب أولى، ولهذا يستدل بذات الآية على تحريم عظام الخنزير وعصبه مع أنه نص على اللحم فقط, وقد أجمع أهل العلم على تحريم جميع أجزاء الخنزير.

قال ابن عبد البر:"قوله صلى الله عليه وسلم: (كل إهاب دبغ فقد طهر) قد دخل فيه كل جلد إلا أن جمهور السلف أجمعوا على أن جلد الخنزير لا يدخل في ذلك"(التمهيد4/178)

 

 

 

 

حكم استخدام الجلود النجسة:

اختلف أهل العلم في حكم أحوال استخدام الجلود النجسة على أقوال كثيرة ويمكن تلخيصها بالآتي:

·        تحرم الصلاة بلباس أو حقيبة معلقة على المصلي أو جلد يفترش تحته من الجلود النجسة للأدلة المتكاثرة على وجوب طهارة البدن والملبس والبقعة لأداء الصلاة.

·        يجوز على الراجح استخدام الجلود النجسة في اليابسات مثل أن تكون صندوقًا أو جرابًا توضع فيه الحاجيات اليابسة.

·        يحرم استخدام الجلود النجسة في المائعات لأنها تتنجس بملاقاتها للنجاسة.

·        ينبغي على المسلم البعد عن النجاسة في لباسه وبدنه والله تعالى يقول {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}.

·        اختلف أهل العلم في حرمة أو كراهة لبس النجس نجاسة عينية سواء أكان حذاء أو معطفًا أو غير ذلك ، وينجس البدن إذا حصلت رطوبة بين بدن الإنسان والجلد النجس وعليه غسل ذلك قبل أداء الصلاة.

 حكم استخدام جلود السباع:

تطهر على الصحيح جلود السباع بعد الدبغ ويجوز استعمالها كما هو قول الجمهور وأما حديث المقدام بن معدي كرب وقوله لمعاوية رضي الله عن الجميع: " فأنشدك بالله، هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها ؟ قال: نعم"( أبوداود 4131)

 فتحمل على حرمة استخدامها قبل الدباغ, كما يمكن حملها أيضًا على الكبر والغرور ومشابهة الجبابرة وأهل الظلم والفجور جمعًا بين الأدلة.

قال الشوكاني: " يحتمل أن النهي عما لم يدبغ منها لأجل النجاسة، أو أن النهي لأجل أنها مراكب أهل السرف والخيلاء "(نيل الأوطار 1/71).

 

 

تذكر:

 

1.  

1. الدباغ هو تنظيف الجلد وتطهيره من الدم والرطوبة والنجاسة.

2. الجلود المستخدمة في الملبوسات والأحذية والحقائب ونحوها هي من الجلد المدبوغ.

3.  جلد الحيوان المذكى ذكاة شرعية طاهر وإن لم يدبغ.

4.  جلود الميتات نجسة قبل دباغها في قول عامة أهل العلم.

5. جلود الحيوانات مأكولة اللحم غير المذكاة مثل الغنم والبقر والأرانب ونحوها طاهرة بعد الدباغ في قول جمهور أهل العلم .

6. جلود جميع الحيوانات غير الكلب والخنزير مختلف في طهارتها بعد الدباغ والراجح أنها تطهر بالدباغ.

7. جلد الكلب والخنزير لا يطهر بالدباغ على الصحيح لأنها نجسة العين والدباغ إنما يزيل النجاسة الطارئة.

8. ينبغي على المسلم البعد عن الجلود النجسة في ملبسه وثيابه والله تعالى يقول (وثيابك فطهر).

9.  يحرم على المصلي لبس شيء من الجلود النجسة ،أو تعليق حقيبة من الجلود النجسة ، أو افتراشها ونحو ذلك لأمر الشارع بطهارة البدن والملبس والبقعة أثناء الصلاة.

10.   يجوز على الصحيح استخدام الجلود النجسة في اليابسات.