المشرف العام الشيخ فهد باهمام

زيارة البدع ديار مدين قوم شعيب عليه السلام

نسخة للطباعةأرسل إلى صديق

تقع البدع في المنطقة الشمالية الغربية للمملكة العربية السعودية عند نهاية وادي الأبيض المسمى "عفل" على الجانب الشرقي لخليج العقبة. وتبعد عن تبوك مسافة مائة وسبعين كيلو متراً غرباً. ومن أبرز آثار منطقة البدع: البيوت أو المقابر المبنية في الصخر وتُعرف باسم (مغاير شعيب).

عذاب الله لقوم مدين:

جمع الله لمدين صنوفاً من العذاب جزاء عصيانهم وتكبرهم مع قربهم زماناً ومكاناً من عذاب الله لقوم لوط, فعذبهم بـ (الرجفة) وهي الزلزلة, وعذبهم بالصيحة, وأخذهم (عذاب يوم الظلة) وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولَهَب ووهَج عظيم.

هل (البدع) هي ديار قوم (مدين) المعذبين؟

قال الله تعالى: }وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِين{ أي إن ديار قوم لوط وأصحاب الأيكة وهم قوم شعيب عليه السلام في طريق واضح معروف لكم في سيركم من الحجاز إلى الشام, وإنما سمي الطريق إماماً لأنه يؤم ويتبع (انظر: تفسير الطبري 17/125).

ومدين هي قبيلة شعيب عليه السلام, وأصحاب الأيكة هو وصف آخر لهم. قال ابن كثير رحمه الله: "والصحيح أنهم أمة واحدة، وصفوا في كل مقام بشيء؛ ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء، فدل ذلك على أنهم أمة واحدة" (ابن كثير 6/158).

وأكثر كلام الإخباريين والمؤرخين في تحديد ديار قوم شعيب أنها في (البدع), قال البلادي: "أمَّا موقع مَدْيَن فهو بلا خلاف غرب تبوك، بينها وبين خليج العقبة، فإذا كان المقصود مدينة شعيب فهي تُعْرَف اليوم باسم البدع، وتقع على (220) كيلاً من تبوك، يصل بينهما طريق معبَّد، أمَّا إذا كان المقصود ديار القبيلة فإنَّ الموقع والحدود تتأثر بسعة انتشار تلك القبيلة وتقلُّصها، فإذا ثبت أنَّهم من جذام كانت تمتد من ساحل البحر إلى قُرب تبوك، ثُمَّ تدخل في الشراة شمالاً، وتقرب من ضبة جنوباً " (رحلات في بلاد العرب 123).

هل تقاس البدع على ديار ثمود؟

الذي يظهر أن (البدع) لا تلحق بديار ثمود في الأحكام لأمور:

أنه لا يمكن لنا إثبات الأحكام الشرعية بمجرد الأخبار والروايات التاريخية القابلة للصواب والخطأ.

أن بلاد مدين منطقة واسعة ولا يدرى أي قرية أو مدينة أصابها العذاب حتى تتعلق بها الأحكام.

وعلى هذا.. فالراجح أنه ينبغي للإنسان أن يكون ذا لب وعقل فيعتبر مما يرى ويسمع ويشاهد، ويتذكر قصة شعيب عليه السلام مع قومه مدين، وكيف عذبوا بالرجفة وعذاب يوم الظلة؛ وذلك لأن مدين وأصحاب الأيكة كانوا في تلك المنطقة على وجه العموم، ولكن لا نجزم قطعاً أنهم في (البدع)، وعلى هذا تجوز زيارتها مطلقاً، وتتعلق بها أحكام زيارة قبور المشركين؛ لأن المعروف اليوم أن تلك البيوت في الصخور محتوية على قبور للأنباط. (وانظر: زيارة القبور والمشاهد ).

بلاد الأحقاف:

وبمثل ما قيل في البدع يقال في منطقة الأحقاف وسد مأرب.

والأحقاف هي منطقة عاد قوم نبي الله هود, قال تعالى: }وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَاف{.

وقد اختلف أهل العلم قديماً وحديثاً في تحديد تلك المنطقة على أقاويل كثيرة, جلها على أنها في اليمن مع اختلاف في تحديد موقعها.

ولهذا قال ابن جرير رحمه الله إمام المفسرين والمؤرخين: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: أن الله تبارك وتعالى أخبر أن عادًا أنذرهم أخوهم هود بالأحقاف، والأحقاف ما وصفت من الرمال المستطيلة المشرفة... الرمل الذي يكون كهيئة الجبل تدعوه العرب الحقف، ولا يكون أحقافًا إلا من الرمل.. وجائزٌ أن يكون ذلك جبلًا بالشام. وجائزٌ أن يكون واديًا بين عمان وحضرموت. وجائزٌ أن يكون الشِّحِر، وليس في العلم به أداء فرض، ولا في الجهل به تضييع واجب، وأين كان فصفته ما وصفنا من أنهم كانوا قومًا منازلهم الرمال المستعلية المستطيلة" (ابن جرير 22/124).

ولا يمكن أن تتعلق الأحكام بمكان مختلف في تحديده كل هذا الاختلاف؛ فيجوز زيارة ما يقال: إنها ديار عاد مطلقاً.

وادي مُحَسِّر:

وهو واد بين المزدلفة ومنى وليس منهما, بل أمر النبي بعدم النزول فيه ليلة المزدلفة لأنه ليس منها, ويقول كثير من أهل العلم بأنه المكان الذي عذب الله فيه أصحاب الفيل بالطير الأبابيل, وأن ذلك هو سبب تسميته (مُحَسِّر), قال النووي في سبب تسميته: "سمي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حُسِرَ فيه, أي أعيى فيه وكَلَّ منه, كقولـــه تعالـــى: }يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ {" (شرح مسلم (8/190).

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسرع لما وصل إليه في طريقه إلى منى وهو قادم من مزدلفة, كما حكى جابر في الحديث المشهور (مسلم3009).

وقد يكون ذلك الإسراع بسبب أنه موطن للعذاب, كما عليه أكثر شراح الحديث, ويحتمل أن يكون الإسراع لكونه وادياً, وبطن الوادي يكون ليناً يحتاج أن يحرك الإنسان بعيره؛ لأن مشي البعير على الأرض الصلبة أسرع من مشيه على الأرض الرخوة.

ومع ذلك فلم يمنع أحد من أهل العلم من المكث فيه مع كثرة البلوى بذلك في أيام التشريق, وإنما استحبوا الإسراع في تجاوزه اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم, ولعل ذلك لعدم الثبوت القطعي للمكان بأنه موطن عذاب, أو لأن المكان ليس هو ديار المعذبين كما هو الحال في ديار ثمود, أو لسبب آخر, والله أعلم بالصواب.


ملمح عجيب

نبه ابن كثير رحمه الله إلى ملمح عجيب في سياقات القرآن لعذاب قوم شعيب  فقال: "وهم أمة واحدة، اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقَمُ كلها. وإنما ذكر في كل سياق ما يناسبه:

ففي الأعراف لما قالوا: }لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا{، ناسب أن يذكر هناك الرجفة، فرجفت بهم الأرض التي ظلموا بها، وأرادوا إخراج نبيهم منها.وهاهنا لما أساءوا الأدب في مقالتهم على نبيهم ناسب ذكر الصيحة التي أسكتتهم وأخمدتهم.

وفي الشعراء لما قالوا: }فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِــــنَ الصَّادِقِين{ قـــال: }فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم{، وهذا من الأسرار الغريبة الدقيقة" (ابن كثير 4/347).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1. أرسل الله شعيباً عليه السلام لقوم مدين, وهم أصحاب الأيكة على الصحيح, والأيكة هي الشجر الملتف وكان بعضهم يعبدها.

2. عذب الله قوم شعيب بالزلزلة والصيحة وعذاب يوم الظلة.

3. ينبغي تذكر قصة شعيب والاعتبار بها عند زيارة (البدع)؛ لأن قوم مدين كانوا يسكنون في تلك المناطق عموماً.

4. يجوز زيارة (البدع) مطلقاً لعدم الدليل على تحديد إقامتهم بقرية البدع والبيوت المنحوتة هناك، وكلام الإخباريين لا يكفي لإثبات الأحكام الشرعية.

5. تجوز زيارة المناطق التي يقال: إنها بلاد عاد؛ لأنه لم يثبت شيء في التحديد الدقيق لها.

6. يسن الإسراع عند المرور في وادي مُحَسِّر, وأكثر أهل العلم على أنه موطن عذاب الله لأصحاب الفيل.

 

 

للاستزادة:

الآثار الإسلامية

آثار ما قبل الإسلام

الوضوء والصلاة في ديار ثمود

زيارة ما قيل أنه موطن عذاب

البحر الميت

زيارة الكنائس ومعابد الكفار

زيارة القبور والمشاهد

 زيارة النساء للقبور